محمد سعيد رمضان البوطي

69

فقه السيرة ( البوطي )

على واقع سيرته صلى اللّه عليه وسلم ، ضمن الأشكال أو المراحل الأربعة التي سبق ذكرها ، على أن يكون النظر في كل ذلك إلى مصلحة المسلمين ومصلحة الدعوة الإسلامية . ومن أجل هذا أجمع جمهور الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب الظن أنهم سيقتلون من غير أي نكاية في أعدائهم إذا ما أجمعوا قتالهم ، فينبغي أن تقدم هنا مصلحة حفظ النفس ، لأن المصلحة المقابلة وهي مصلحة حفظ الدين موهومة أو منفية الوقوع . ويقرر العز بن عبد السلام حرمة الخوض في مثل هذا الجهاد قائلا : « فإذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام ، لما في الثبوت من فوات النفس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام ، وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ، ليس في طيها مصلحة » « 1 » . قلت : وتقديم مصلحة النفس هنا من حيث الظاهر فقط . أمّا من حيث حقيقة الأمر ومرماه البعيد ، فإنها في الواقع مصلحة دين ، إذ المصلحة الدينية تقتضي - في مثل هذه الحال - أن تبقى أرواح المسلمين سليمة لكي يتقدموا ويجاهدوا في الميادين المفتوحة الأخرى ، وإلّا فإن هلاكهم يعتبر إضرارا بالدين نفسه وفسحا للمجال أمام الكافرين ليقتحموا ما كان مسدودا أمامهم من السبل . والخلاصة : أنه يجب المسالمة أو الإسرار بالدعوة إذا كان الجهر أو القتال يضرّ بها ، ولا يجوز الإسرار في الدعوة إذا أمكن الجهر بها وكان ذلك مفيدا ، ولا يجوز المسالمة مع الظالمين والمتربصين بها إذا توفرت أسباب القوة والدفاع عنها ، ولا يجوز القعود عن جهاد الكافرين في عقر دورهم إذا ما توفرت وسائل ذلك وأسبابه . 2 - الأوائل الذين دخلوا في الإسلام والحكمة من إسراعهم إلى الإسلام قبل غيرهم : وتحدثنا السيرة أن الذين دخلوا في الإسلام في هذه المرحلة ، كان معظمهم خليطا من الفقراء والضعفاء والأرقاء ، فما الحكمة في ذلك ؟ وما السر في أن تتأسس الدولة الإسلامية على أركان من مثل هؤلاء الناس ؟ والجواب : أن هذه الظاهرة هي الثمرة الطبيعية لدعوة الأنبياء في فترتها الأولى ، ألم

--> ( 1 ) قواعد الأحكام في مصالح الأنام : 1 / 95 ، وانظر ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية للمؤلف : 261 .